بهاء الدين الجندي اليمني

366

السلوك في طبقات العلماء والملوك

بعض أهل عرشان بمسألة فجوّب عليها جوابا خطأ ، فأخذها السائل وتقدم بها إلى القاضي مسعود ، فلما وقف عليها كتب بعد الجواب : هذا المجيب لا يعرف شيئا وذلك بمداد يعمله أهل اليمن من الصبر يميل لونه إلى الحمرة فعاد الرجل بالمسألة إلى عرشان فوقفوا على ما كتب القاضي مسعود ، وهو يومئذ يدرّس بذي أشرق ، وأوقفوا عليه القاضي أحمد ، فحين وقف على ذلك لاحت له مكيدة القاضي مسعود فأعجم ( المجيب ) أي جعلها خاء وياء ونون والباء الموحدة ثاء « 1 » مثلثة وذلك بمداد لونه أسود يخالف لون ما كتب به القاضي مسعود ، ثم أخذ المسألة ودخل على سيف الإسلام وهو إذ ذاك مقيم بجبلة بالدار المعروفة بدار الرزاق « 2 » الذي هو في عصرنا مسبك لسكر الأملاك السلطانية ، فلما حضر مجلسه وفاوضه الحديث قال : يا مولانا ، ظهر رجل يدعي الفقه وصار يحتقر الفقهاء ويسفّه عليهم ثم لا يقنع باللفظ حتى يزيد ، يفعل ذلك بالخط ثم فتح المسألة ووضعها بين يديه فلما قرأ كلام القاضي مسعود ورأى إعجابه عظم ذلك عليه وأمر بطلبه فطلبه من ضراس فلما حضر مقامه نبذ الورقة إليه وقال له الجواب الثاني جوابك فتأمله القاضي مسعود وقال : سبحان اللّه ألا عقول تميّز الحروف مكتوبة بغير مداد إعجامها والقبيح من الإعجام ، فليتأمل السلطان ذلك ! فأعاد إليه الورقة فحين نظر السلطان فيها أدرك ذلك وعلم صدق ما قال ، وقد كان تكرّر عنده أمور ملأت باطنه على القاضي أحمد وأهله ، فحين استثبت أنه كاد القاضي مسعود غلب ظنه صدق ما كان ينقل عنهم ، فقال : يا قاضي أحمد ، الزم بيتك وأنت يا مسعود قد وليتك القضاء فخرج هذا متوليا وهذا معزولا ولم يزل على ذلك حتى توفي على ما سيأتي ذكره إن شاء اللّه وقيل : إنما كان ذلك من المعز بن سيف الإسلام ، وللقاضي أحمد تذييل القضاعي « 3 » في التاريخ ، وله شرح الخطيب ابن نباتة « 4 » وله تاريخ اليمن مجردا لم أقف على شيء من ذلك إلا عن نقل ابن سمرة وغيره ، وبعد وفاة مسعود عاد « 5 » القضاء إليهم ثم عزل نفسه وجعله في ولده علي وتوفي منفصلا

--> ( 1 ) في « ب » وعجم جيم « القاضي » وجعل ياءه المثناة من تحت نونا والياء الموحدة تاء « مثلثة » وكلا العبارتين فيهما قلق والمعنى جعل لفظ « المجيب » ، « المخنث » . ( 2 ) في ذي جبلة عين ماء للشرب تسمى عين الزراق فربما كانت الدار هنالك ثم صحفت أو هو مكان دار العز التي كانت تسكنها السيدة بنت أحمد ثم تسمت دار السلطنة . ( 3 ) القضاعي : سبق ذكره وانظر الوفيات ج 2 ص 349 . ( 4 ) الخطيب ابن نباته : اسمه عبد الرحيم بن محمد بن إسماعيل أبو يحيى الحذاقي الفارقي صاحب الخطب المشهورة المطبوعة وفاته سنة 374 ه ، انظر الوفيات ج 2 ص 331 ويأتي ذكر ذلك للمؤلف . ( 5 ) لفظ عاد من « ب » وساقط من « د » .